أخطاء ابن حجر في ترجمة رجال الشّيعة!! الحلقة الثّالثة

11 أبريل 2019
47
ميثاق العسر

#السّابع: لا يمكن أن نفهم حقيقة التّراث الرّجاليّ لإبن أبي طيّ ما لم نقرأ النصّوص الّتي كتبها معاصروه في ترجمته، ومنها نصّ معاصره ياقوت الحمويّ الّذي التقى به في سنة: “619هـ” والّذي سقط من نسخ معجم الأدباء الواصل كما هو حال كثير من التّراجم الأخرى، لكنّها جاءت في فوات الوفيات لإبن شاكر الكتبي المتوفّى سنة: […]


#السّابع: لا يمكن أن نفهم حقيقة التّراث الرّجاليّ لإبن أبي طيّ ما لم نقرأ النصّوص الّتي كتبها معاصروه في ترجمته، ومنها نصّ معاصره ياقوت الحمويّ الّذي التقى به في سنة: “619هـ” والّذي سقط من نسخ معجم الأدباء الواصل كما هو حال كثير من التّراجم الأخرى، لكنّها جاءت في فوات الوفيات لإبن شاكر الكتبي المتوفّى سنة: “764هـ”، ونقلها ابن حجر في لسان الميزان أيضاً، كما عمد إلى نقل بعض أجزائها الّشّخصيّة الشّهيد الأوّل المستشهد سنة: “786هـ” في بعض فوائده على ما نقل عنه الأفنديّ في رياض العلماء. [رياض العلماء: ج5، ص328].
#الثّامن: التقى ياقوت الحمويّ المتوفّى سنة: “626هـ” بإبن أبي طي عام: “619هـ”، وقرّر في ترجمته أشياء كثيرة ليخلص قائلاً: «كان يدّعي العلم بالأدب والفقه والأصول على مذهب الإمامية، وجعل التأليف حانوته، ومنه قوته ومكسبه، ولكنه كان يقطع الطريق على تصانيف النّاس؛ يأخذ الكتاب الّذي أتعب جامعه خاطره فيه، فينسخه كما هو، إلا أنّه يقدّم فيه ويؤخر، ويزيد وينقص، ويخترع له اسماً غريباً، ويكتبه كتابة فائقة، ويقدمه لمن يثيبه عليه، ورزق من ذلك حظاً». [فوات الوفيات: ج4، ص269؛ لسان الميزان: ج8، ص453].
#التّاسع: كما ترجم ابن الشطّار الموصلي المتوفّى سنة: “654هـ” لإبن أبي طيّ مفصّلاً أيضاً، وبعد أن عدّ بعض مصنّفاته وصل إلى كتابه الرّجالي محلّ البحث فقال: «وكتاب “الحاوي” ذكر فيه رجال الشّيعة وعلماءهم وفقهاءهم وشعراءهم وأئمتهم المصنّفين في مذاهبهم، وهو مرتّب على حروف الهجاء… وكان هذا الرجل يأخذ نفسه بالتّصنيف والجمع والتّأليف، ويختلق أسماءً وألقاباً لكتب فيضعها ويضيفها إلى نفسه وينتحلها، ولم يكن إلاّ صاحب دعاوى ومخاريق وأباطيل، ويوهم أنه قد صنَّف وليس عنده ممّا ذكر علم ما، ولا وجدت شيئاً من مصنَّفاته إلاَّ اليسير. وحدثني الصّاحب الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الفقيه الخفي بحلب “أيّده الله تعالى” قال: كان إبن أبي طيّ كذّاباً كثير الكذب والتّحريف؛ وأنّ هذه الكتب التي عدّدها وادعاها، وعمل لها فهرستاً، تمويهاً وتوهيماً لم أقف منها على شيء؛ إلا أنّه كان يقول: قد صنّفت الكتاب الفلاني في العلم الفلاني فنسأله إحضاره فيحتج بحجةٍ ما ويغالطنا ويوهم أنه فرغ، وكلّ ما يتلفظ به ويدعيه زور وكذب، فإذا صح له ذلك وصدق في تصنيفه فيكون قد أغار على بعض الكتب، فيقدّم فيه أو يؤخّر، أو يزيد قليلاً أو يختصر، ويختلق له اسماً غريباً وينتحله، هكذا كانت شيمته، وكان قد جعل التّصنيف بضاعته، ورأس ماله وصناعته». [قلائد الزّمان في فرائد شعراء هذا الزّمان: ج7، ص226].
#العاشر: علّق ابن حجر في آخر حرف من حروف كتابه الميزان وهو يُترجم لإبن أبي طي بعد أن نقل كلام ياقوت المتقدّم بقوله: «قلت: ووقفت على تصانيفه، وهو كثير الأوهام والسّقط والتّصحيف؛ وكان سبب ذلك ما ذكره ياقوت من أخذه من الصُّحف» [ج8، ص453]، ولعلّه ـ والله العالم ـ إنّ السّبب الّذي حدا بابن حجر أن يعزب عن النّقل من كتب ابن أبي طي ـ بعد ما أكثر النّقل منها في الحروف الأولى من كتابه لسان الميزان صريحاً أو تضمّناً ـ هو اكتشاف الأوهام والسّقط والتّصحيف فيها، وحيث إنّه تنبّه إلى هذه الأوهام والإسقاطات والتّصحيفات لاحقاً لم يكترث لإعادة النّظر فيها؛ لكنّه توقّف عن الاستمرار فيها.
#الحادي عشر: علّق المرحوم الأغا بزرك الطّهراني على ما قرّره ياقوت في وصف ابن أبي طيّ بقوله: «أقول: وليس ببعيدٍ من ياقوت الّذي طردته الشيعة من سوريا لسبّه علياً ـ كما ذكره ابن خلكان ـ أن يفتري على ابن أبي طي مثل هذا، و لم يعيّن أيّ تصانيف الرجل بهذه الصفة». [طبقات أعلام الشّيعة: ج4، ص205]، وكم كنت أتمنّى على المرحوم الطّهراني أن يبتعد عن مذهبيّته في قراءة وتحليل حقّانيّة مثل هذه النّصوص، وأن لا يجنح لطرح احتمالات لا يمكن توفير دليل عليها؛ خصوصاً بعد مطالعتنا لنصّ ابن الشطّار الموصلي.
#الثّاني عشر: لا يمكن أن نعزو جميع الاشتباهات الوافرة الّتي عمد ابن حجر لنسبتها إلى الأصول الرّجاليّة الإثني عشريّة وغيرها إلى عجلته في التّصنيف أو نقله بالمعنى أو عدم تفريقه بين الاقتباسات وبين النّصوص…إلخ؛ فإنّ هذا إن حصل في مرّة أو مرّتين فلا يمكن أن يحصل في تراجم كثيرة جدّاً خصوصاً لمن هو في رتبة ابن حجر العسقلانيّ؛ لذا فإنّ الاحتمال الأرجح أن يكون قد وقع ضحيّة لمؤلّفات ابن أبي طيّ المبتلاة بهذه الآفات، وحينما اكتشف ذلك توقّف عن الأخذ منه ولم يبادر إلى تصحيح ما نقله منه سلفاً؛ لعدم جدوائيّة ذلك؛ حيث لا رواية لأمثال هؤلاء في كتب السُنّة، واكتفى بالتّوقّف.
#الثّالث عشر: آمن السيّد شبيريّ الزّنجانيّ “حفظه الله” بامتلاك «ابن حجر لمكتبة مهمّة تتوفّر على العديد من كتب الشّيعة الّتي لا خبر لنا بها، من قبيل: تاريخ الرّي للشّيخ منتجب الدّين؛ وتاريخ ابن أبي طي، ورجال عليّ بن الحكم، ورجال أبي جعفر الصّدوق، وإنّ كتابه الّلسان نافع جدّاً من هذه الحيثيّة، لكنّه ألّفه في أواخر عمره، وفي سنّ التّاسعة والسّبعين ـ وهي السّنون الّتي تضعف فيها القوى ـ كانت نهاية تأليفه وهي سنة وفاته أيضاً، ويبدو إنّه لم يوفّق إلى إعادة النّظر فيه أو مقابلته، لذا نراه يحمل أخطاءً لا يمكن إحصاؤها، ويندر أن لا تجد في صفحة أكثر من خطأ مغيّر للمعنى أيضاً، بل ربّما لا تجد صفحة خالية من ذلك». [شبيري الزّنجاني، جرعه از دريا: ج1، ص42، بالفارسيّة].
#الرّابع عشر: الظّاهر إنّ السيّد الزّنجاني “حفظه الله” قد استند في تقرير سنة تأليف كتاب الّلسان وتاريخ الفراغ منه على ما جاء في مقدّمة المرعشلي المُسمّاة بـ: “فتح المنّان بمقدّمة لسان الميزان” [ص411]؛ حيث ذهب هناك وبضرس قاطع إلى أنّ فراغ ابن حجر من لسان الميزان كان في جُمادي الأوّل من عام: “852هـ”، لكنّ محقّق الطّبعة الجديدة لمكتبة المطبوعات الإسلاميّة أوضح خطأ هذه النّسبة وإنّ التّاريخ المذكورة هو من خطأ النّساخ، والصّحيح كما برهنوا عليه: إنّهم وجدوا في آخر إحدى نسخه بخطّ المؤلّف عبارة: «فرغت منه في شهر رمضان سنة خمس وثمان مئة بالقاهرة»، وأفادوا لنصوص ولقرائن أخرى: بقي المؤلّف حتّى آخر حياته عام: “852هـ” يُنقّح ويصّحح ويستدرك. [مقدّمة لسان الميزان: ج1، ص121]، والظّاهر إمكانيّة الجمع بينهما من ناحية إنّ ما أتمّه في سنة: “805هـ” كان أصل الكتاب، وإنّ ما قرّره في نهاية حياته كان بعد الإضافات والاستدراكات والإلحاقات، والله العالم.
#الخامس عشر: احتمل بعض الباحثين المعاصرين استناداً إلى عبارة لسان الميزان القائلة: «ذكره الليثي في رجال الشيعة…» أن يكون المقصود من الّليثي هو: عليّ بن محمّد الّليثيّ الواسطيّ مصنّف كتاب عيون الحكم والمواعظ، والّذي هو أستاذ ابن أبي طي، وحيث إنّ ابن حجر وجد هذا النّقل في كتاب الحاوي لإبن ابي طي فنسب الكلام إلى الّليثي دون أن يُشير إلى مصدر أخذه. [قبسات من علم الرّجال: ج1، ص174]، لكنّ هذا الاحتمال لا مسوّغ له، بعد ما أظهرت النّسخة المحقّقة من لسان الميزان والّتي اعتمدت على عدّة نسخ خطيّة: أنّ الّليثي هو تصحيف لمفردة الكشّي. [يتبع].
#ميثاق_العسر
#أخطاء_ابن_حجر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...