أبو مخنف المصدر الأبرز لوقائع كربلاء وخلفيّاتها!!

10 سبتمبر 2019
23
ميثاق العسر

#يُعدّ لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي الغامدي الكوفي المُكنّى بأبي مخنف والمتوفّى سنة: “157هـ” صاحب المصدر الأبرز والأهمّ الّذي اُعتمد عليه لتوثيق أحداث واقعة كربلاء وخلفيّاتها ومآلاتها، والرّجل من أسرة كوفيّة قطنت فيها منذ أيّام تمصيرها سنة: “17هـ” على يد الخليفة عمر بن الخطّاب؛ فجدّ والده هو: الصّحابي مخنف بن سليم، وأحد […]


#يُعدّ لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف الأزدي الغامدي الكوفي المُكنّى بأبي مخنف والمتوفّى سنة: “157هـ” صاحب المصدر الأبرز والأهمّ الّذي اُعتمد عليه لتوثيق أحداث واقعة كربلاء وخلفيّاتها ومآلاتها، والرّجل من أسرة كوفيّة قطنت فيها منذ أيّام تمصيرها سنة: “17هـ” على يد الخليفة عمر بن الخطّاب؛ فجدّ والده هو: الصّحابي مخنف بن سليم، وأحد أصحاب عليّ “ع” الّذي شاركه في معاركه وقدّم ضحايا فيها مع قبيلته أزد، وكان أحد ولاته في أصبهان بعد هلاك يزيد بن قيس. [طبقات المحدّثين بأصبهان: ج1ن ص277].
#ورغم النّصوص والشّواهد المنقولة في كون مخنف بن سليم من المشاركين في صفّين ومن ولاة عليّ “ع” في أصبهان لكنّنا نلاحظ أنّ الطّبريّ نقل خبر مقتله في معركة الجمل، والأغرب من ذلك إنّه نقل ما يخالف ذلك في تاريخه وفي بقيّة كتبه أيضاً[الطّبريّ: ج5، ص521]، لكنّا مع هذا نلاحظ تفرّد ابن حجر المتوفّى سنة: “852هـ” بنقل خبر ـ لم يذكر مصدره ـ ينصّ على أنّه كان أحد التّوابين الّذين لم ينصروا الحسين بن عليّ “ع”، فخرج مع سليمان بن صرد الخزاعي في ثورتهم المعروفة بعد ثلاث سنوات من مقتله، فقُتل سنة: “65هـ” في منطقة عين الوردة. [تهذيب التّهذيب: ج10، ص78، ط الهند]، والله العالم.
#وكيف كان؛ لم يُحدّد تاريخ ولادة أبي مخنف صاحب المقتل بالضبط، وقد خلط أبو عمرو الكشّي ـ حسب نقل الطّوسي ـ فادّعى أنّه من أصحاب عليّ والحسن والحسين “ع”، وخطأه شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” قائلاً: «الصحيح أنّ أباه كان من أصحابه، وهو لم يلقه». [الفهرست: ص381]، والظّاهر أنّ ذلك خطأ أيضاً؛ فإنّ جدّ والده كان من أصحاب عليّ “ع” لا والده [قاموس الرّجال: ج8، ص618] ، والمحتمل إنّ ولادته كانت ما بين الثّمانين والتّسعين من القرن الأوّل الهجري، ولهذا عدّه النّجاشي من أصحاب الصّادق “ع” حصراً، وأفاد إنّ روايته عن الباقر “ع” لم تثبت أيضاً. [ص320].
#ولأبي مخنف مصنّفات كثيرة نقل عنها معظم المؤرّخين في القرن الثّاني والثّالث والرّابع الهجري وما بعد؛ إذ قالت عنه العلماء ـ كما نقل ذلك ابن النّديم عن خطّ أحمد بن الحرث الخزّاز ـ: إنّه «بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره…» [الفهرست: ص127؛ معجم الأدباء: ج5، ص2252]، وأهمّ هذه الكتب هو: كتاب مقتل الحسين “ع”، والّذي يُعدّ أهّم وأبرز كتاب أرّخ لحركة الحسين بن عليّ “ع”، والمصدر الأوّل المعتمد في واقعنا الإثني عشريّ أيضاً، والظّاهر في أنّ الرّجل شيعيّ بالعنوان العامّ؛ وليس من القائلين بالإمامة بالاصطلاح المتأخّر الّذي ولد في الكوفة في أيّامه ببركة جهود متكلّميها المعروفين، وعدّه من أصحاب الصّادق “ع” لا يعني سوى ثبوت روايته عنه ولو لمرّة واحدة فقط أو معاصرته فقط؛ فقد روى عن الصّادق “ع” عدد طعنات الحسين “ع” وضرباته حين مقتله. [تاريخ الطّبريّ: ج5، ص453].
#أمّا أقوال الرّجاليّين وعلماء الحديث: فالاتّفاق الحاصل بين كلمات عموم محقّقي أهل السُنّة المتقدّمين والمتأخّرين على عدم وثاقة أبي مخنف وتضعيفه وترك الأخذ بنقولاته، وهذا من الواضحات من دون حاجة لنقل أقوالهم، كما أنّ نقل المؤرّخين السُنّة عنه لا يعني بالضّرورة إيمانهم بوثاقته؛ بل ربّما يُقال كما قيل أيضاً: إنّه على طريقة “من أسند لك فقد أحالك”، لكن تبقى المشكلة في طريق المؤرّخين إلى كتب أبي مخنف، والظّاهر أنّها سليمة لا أقل في خصوص كتابه مقتل الحسين “ع”؛ وذلك لتوافق النّقولات وتطابقها بينهم رغم اختلاف مشاربهم ومذاهبهم أيضاً.
#وأمّا أصحابنا الإثنا عشريّة فقد مدحه النّجاشي المتوفّى كما هو المشهور سنة: “450هـ”، واصفاً إيّاه بـ: «شيخ أصحاب الكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه» [ص320]، وتبعه على ذلك جملة من الأعلام المتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين بل والمعاصرين أيضاً كالمامقاني والشّوشتري والخوئي، بل السّيرة العمليّة للطّائفة الإثني عشريّة قائمة على ذلك؛ حيث نلاحظ الاعتماد على مرويّاته لأحداث كربلاء حتّى أصبحت من المحفوظات عند الصّغار والكبار.
#وهنا تبرز مشكلة: هناك مقتل طُبع على الحجر في أيّام السّلطان ناصر الدّين شاه القاجاري بضميمة الجزء العاشر من البحار ومقتل الّلهوف بتاريخ: “1286هـ” تحت عنوان: مقتل أبي مخنف، وطبع على الحجر والحروف بشكل مستقلّ في الهند والعراق وإيران بعد ذلك، وانتشر انتشاراً كبيراً بين عموم الطّبقات الحوزويّة والمنبريّة للأسف الشّديد، وكأنّه هو الكتاب الأصليّ لأبي مخنف، والّذي اعتمد عليه جملة من المؤرّخين والمحدّثين في القرون المتقدّمة، لكنّ ما هو ثابت عند المحقّقين من أعلام الإثني عشريّة وفي طليعتهم المرحوم المحدّث النّوري المتوفّى سنة: “1320هـ” إنّ هذا الكتاب ليس لأبي مخنف، وإنّما حمل إضافات كثيرة تتعارض مع ما هو متّفق عليه من نقولات عن الكتاب الأصلي، وقد نجد آثار هذه النّسخة من المقتل في كتب أسرار الشّهادة وكشف الحجب والأستار وينابيع المودّة وأضرابها.
وبغية إيضاح هذا الموضوع سنعمد إلى ترجمة نصّ كتبه المحدّث النّوري في كتابه الفارسي “الّلؤلؤ والمرجان” لإبراز الموقف ووضع حدّ علميّ معقول له، حيث قال هناك ما ترجمته:
#لا يخفى عليك: أنّ أبا مخنف، وهو: لوط بن يحيى، من كبار المحدّثين المعتمدين لدى أرباب السِّير والتّواريخ، وإنّ كتابه مقتل الحسين “ع” في غاية الاعتبار؛ كما يظهر ذلك من نقل أعاظم العلماء المتقدّمين عنه وعن سائر مؤلّفاته، لكن المؤسف: أنّ هذا المقتل الخالي من العيوب لم تصل نسخته إلينا، وإنّ ما هو متوافر في أيّامنا تحت هذا العنوان يشتمل على مطالب منكرة مخالفة لأصول المذهب، والّتي زجّها فيه الأعادي والجاهلون لبعض الأغراض الفاسدة، ولأجل ذلك تسقط هذ النّسخة المتداولة من مقتل أبي مخنف عن الاعتبار والاعتماد من هذه الجهة، وبالتّالي: فلا وثوق بأيّ من تفرّداته، ولأجل ذلك لم ننسب إليه حكاية ورود أهل البيت إلى كربلاء في الأربعين رغم أنّ عبارته قريبة ممّا في الّلهوف أيضاً. وقد أتعب العالم الجليل الشّيخ خلف آل عصفور نفسه كثيراً في بعض رسائله المكتوبة كأجوبة للثّلاثين سؤالاً من أجل مطابقة أغلب منكرات هذا الكتاب مع أصول المذهب، ولكنّ لا يخفى على المتأمّل كونها تكلّفات ليس إلّا. وكيف كان؛ فالمشاهد في أعصارنا أنّ لهذا المقتل نسخاً مختلفة تشتمل على زيادة ونقصان…». [الّلؤلؤ والمرجان: ص174، حجريّة].
#وقد تحدّث عن هذا الموضوع تلامذته المبرّزون أيضاً ووثّقوه، حيث نصّ المحدّث القمّي صاحب مفاتيح الجنان المتوفّى سنة: “1359هـ” بعد أن قرّر إنّه سيعبّر في كتابه النّفس المهموم عن أبي مخنف بالأزدي: «وإنّما عبرت عن الأخير بذلك ولم أصرّح بكنيته لنكتة، وهي: أن لا يتبادر إلى الأذهان أنّه هو الّذي طُبع مع كتاب العاشر من البحار؛ فإنّه قد ثبت عندي أنّ هذا الكتاب ليس بمقتل أبي مخنف المعروف؛ فإنّ أبا مخنف… كان شيخا من أصحاب الأخبار بالكوفة ووجههم، وكان يُسكن إلى ما يرويه، ويروي عن جعفر بن محمد الصادق “ص”، وأبوه كان من أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين “ع”، ولأبي مخنف كتب كثيرة في السّير، منها: كتاب مقتل الحسين “ع” الّذي ينقل منه أعاظم العلماء المتقدّمين واعتمدوا عليه، ومن راجع تاريخ الطّبري يعلم: أنّ أكثر ما نقله في مقتل الحسين “ع” بل جلّه أخذه من مقتل أبي مخنف، وإذا تأمّل إلى هذا المقتل المنسوب إليه وإلى ما نقله الطبري وغيره من المؤرّخين منه ويقابلهما يعلم: أنّ هذا المقتل ليس له، بل ولا لأحد من المؤرّخين المعتمدين، فعلى هذا إنّي لا أعتمد على ما تفرد بنقله». [النّفس المهموم، ص5، ط حجريّة].
كما أفاد تلميذه الآخر أعني الأغا بزرك الطّهراني صاحب الّذريعة المتوفّى سنة: “1389هـ” في ترجمة كتاب مقتل الحسين لأبي مخنف المطبوع قائلاً: «…الظّاهر أنّ فيه بعض الموضوعات، وقد حقّقه شيخنا النّوري في الّلؤلؤ والمرجان». [الذّريعة: ج22، ص27].
#ولأجل تجاوز هذه المشكلة بادر جملة من الباحثين المعاصرين إلى استلال نقولات أبي مخنف من الكتب المتقدّمة وطباعتها في كتاب منفصل تحت هذا العنوان، وقد نوّهوا في مقدّمات أعمالهم إلى الفوارق الموجودة بين المنقول من نسخة المقتل الأصلي الّذي كان بحوزة المؤرّخين والمحدّثين المتقدّمين وبين نسخته المتداولة المكذوبة، وعلى هذا الأساس: ستسقط جملة من المشهورات المنبريّة المتداولة؛ حيث إنّ مصدرها الأصليّ هو هذا الكتاب المنحول لا غير.
#أمّا كتاب مقتل أبي مخنف الأصلي فقد أوضح المرحوم محمّد تقي الشّوشتري المتوفّى سنة: “1416هـ” الموقف الصّحيح منه حينما قال: «وكتابه في مقتل الحسين “ع” ـ ويروي عنه الطّبريّ وأبو الفرج ـ أصحّ مقتل؛ فإنّه يروي الوقائع غالباً بواسطة واحدة، إمّا عمّن كان معه “ع” ولم يقتل ـ كعقبة بن سمعان مولى الرباب أمّ سكينة، وكغلام عبد الرحمن بن عبد ربّه، وكالضحّاك المشرقي ـ ، أو عمّن شهد قتله “ع” كحميد بن مسلم، فروى بواسطة عنه قتلْ عليّ بن الحسين الأكبر والقاسم بن الحسن …، وكعفيف بن زهير الّذي روى عنه مباهلة برير بن خضير ويزيد بن معقل، وككثير بن عبد الله الشعبي الّذي روى عنه خطبة زهير بن القين لأهل الكوفة، إلى غير ذلك». [قاموس الرّجال: ج8، ص620].
#وأخيراً: نتمنّى على الخطباء والرّواديد والشّعراء المتدّينين أن يعوا هذه الحقائق ويرتّبوا أداءهم على هذا الأساس؛ فإنّ الاعتماد على الأكاذيب في نشر واقعة كربلاء عمل لا مسوّغ أخلاقيّ ولا دينيّ له مهما حاول الفقهاء أن يشرعنوا هذه الممارسات تحت عناوين مذهبيّة وفقهيّة باطلة، وإذا لم يكترثوا بذلك فإنّ لعنة الأجيال القادمة المتسلّحة بالوعي والبصيرة ستلاحقهم، وإنّ تشابه بعض التفرّدات فيه مع بعض النّقولات المُرسلة في بعض المصادر المتقدّمة أو المتأخّرة لا يمنح هذا الكتاب أيّ قيمة واعتبار وانتساب إلى أبي مخنف كما يروّج الجهلة لذلك؛ لأنّ نقولات هذه الكتب إمّا مراسيل لم تُنسب إليه أصلاً أو هي مأخوذة من هذه النّسخة المحرّفة أيضاً، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...