أبو الحسن الوزير وأبو الحسن الإمام!! الحلقة الأولى

5 نوفمبر 2018
1037
ميثاق العسر

#ثمّة مشكلة حديثيّة جادّة نبّه إليها الرّاحل محمّد باقر البهبودي المتوفّى سنة: “2015م” في مقال له بالّلغة الفارسيّة نُشر في ثمانينات القرن المنصرم، مشكلة تأتي في سياق جملة من المشاكل الّتي خلّفتها طريقة كتابة الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ ولا زال هذا الموروث ينوء بآثارها حتّى اليوم، وهي مشكلة: اختلاط كنية الرّواة بكنية الإمام، فيقوم المحدّثون […]


#ثمّة مشكلة حديثيّة جادّة نبّه إليها الرّاحل محمّد باقر البهبودي المتوفّى سنة: “2015م” في مقال له بالّلغة الفارسيّة نُشر في ثمانينات القرن المنصرم، مشكلة تأتي في سياق جملة من المشاكل الّتي خلّفتها طريقة كتابة الموروث الرّوائيّ الإثني عشريّ ولا زال هذا الموروث ينوء بآثارها حتّى اليوم، وهي مشكلة: اختلاط كنية الرّواة بكنية الإمام، فيقوم المحدّثون جرّاء سذاجة عملهم وعدم تدقيقاتهم بادراجها دون التفات، ويأتي الّلاحقون لهم فيتبعونهم على ذلك ويرتّبون عليها الآثار العقائديّة والفقهيّة الإثني عشريّة في نفس الوقت.
#ولأجل شرح وإيضاح هذه المشكلة سنقوم باستعراض أهمّ وأبرز نصّ بارز لها؛ لنلاحظ الأزمة وطبيعتها وطبيعة استحكامها أيضاً، وكيف إنّ المحدّثين والفقهاء الإثني عشريّة أسّسوا نتائج كبيرة وخطيرة بناءً على هذا النّقل الخاطئ والاشتباه الجسيم، واضطرّوا إلى ممارسة أنواع التّأويلات والتّوجيهات لها في سياق ما يصطلحون عليه بالفقاهة وصناعتها فنقول:
#سعى شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” إلى الحفاظ على المذهب الإثني عشريّ من الانهيار، فبادر في كتابيه تهذيب الأحكام والاستبصار إلى جمع أكبر عدد من الرّوايات الفقهيّة ومحاولة الجمع بينها في سياق كبرى الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة وعرضها العريض، وفي هذا السّياق أورد الرّواية التّالية:
«محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن عيسى اليقطيني، قال: بعث إليّ أبو الحسن الرّضا “ع” رزم ثياب وغلماناً وحجّة لي، وحجّة لأخي موسى بن عبيد، وحجّة ليونس بن عبد الرّحمن، فأمرنا أن نحجّ عنه، فكان بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا، فلمّا أردت أن أُعبّي الثّياب رأيت في أضعاف الثّياب طيناً، فقلت للرّسول: ما هذا؟ فقال: ليس يُوجّه بمتاع إلّا جعل فيه طيناً من قبر الحسين [بن عليّ] “ع”. ثمّ قال الرّسول: قال أبو الحسن “ع” هو أمان بإذن الله، وأمرنا بالمال بأمور من صلة أهل بيته وقوم محاويج لا يُؤبه لهم، وأمر بدفع ثلاثمائة دينار إلى رحيم امرأة كانت له، وأمرني أن أُطلّقها عنه وأُمتّعها بهذا المال، وأمرني أن أُشهد على طلاقها صفوان بن يحيى، وآخر نسي محمّد بن عيسى اسمه». [تهذيب الأحكام: ج8، ص40،الخرسان؛ ج8، ص99، الغفاري].
#ووفقاً لسند هذه الرّواية الصّحيح عندهم فإنّ الرّاوي المباشر لها هو: محمدّ بن عيسى بن عبيد اليقطيني، وهو الّذي استلم الرّسالة من أبي الحسن الرّضا “ع” كما في صيغتها المنقولة، وهو الّذي قام بإنجاز ما فيها من طلبات أيضاً، ولكن: حيث إنّ الرّاكز في وعي جملة من المحدّثين الإثني عشريّة المتقدّمين هو عدم إدراك محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطينيّ للرّضا “ع” زمانيّاً فلا يمكن حينئذ تعقّل روايته عنه دون واسطة بل وحتّى روايته عن يونس بن عبد الرّحمن أيضاً، وتتعمّق المشكلة أكبر وأكثر حينما نبدأ بقراءة مضمون الرّواية؛ إذ يحدّثنا راوي الرّواية ـ وهو محمّد بن عيسى بن عبيد حسب الفرض ـ إنّ أبا الحسن قد بعث بحجّة لأخيه موسى بن عبيد، ومن المعلوم إنّ موسى هو عمّ الرّاوي لا أخوه، فكيف المصير؟!
#وعلى هذا الأساس: وقع المحدّثون والرّجاليّون الإثنا عشريّة في حيص بيص شديد في علاج هذا الخلل السّنديّ الفاضح فجاءت عدّة محاولات، لكن قبل أن ننتقل لذكر محاولاتهم علينا أن نذكّر بمساعي ابن قولويه صاحب كتاب كامل الزّيارات كما هو المشهور والمتوفّى سنة: “368هـ” ، إذ أقدم على رواية الجزء المختصّ باهتمامات كتابه من هذه الرّواية بطريق آخر غير طريق الطّوسي، لكنّه أو أحد رجال طريقه عالج ذلك بتوسيط رجل بين محمّد بن عيسى وبين نصّ الرّواية وإضافة “من خراسان” إلى مضمونها، فجاء السّند والرّواية بالنّحو التّالي: «حدّثني أبي وجماعة “ره”، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عيسى، عن رجل، قال: بعث إليّ أبو الحسن الرّضا “ع” من خُراسان ثياب رزم، وكان بين ذلك طين، فقلت للرّسول: ما هذا؟ قال: طين قبر الحسين [بن علي] “ع”، ما كان يُوجّه شيئاً من الثّياب ولا غيره إلّا ويجعل فيه الطّين، وكان يقول: هو أمان بإذن الله». [كامل الزّيارات: ص278].
#نعود إلى معالجات الرّجاليّين الإثني عشريّة المعاصرين؛ إذ بادر المرحوم محمّد تقي الشّوشتري قائلاً: «الرّاوي محمّد بن عيسى وأخوه موسى بن عبيد لا يجتمعان، إلّا أن يكون موسى أخاه لأمّه، أو كون “محمّد بن عيسى” محرّف “محمّد بن عبيد”، ولعلّه الأظهر؛ فالأخ للأمّ يقيّد في الكلام لكونه خلاف المنصرف»، وقد ساق دليلاً على وجود راو تحت هذا الاسم جاء في باب إبطال الرّؤية من الكافي أيضاً، وعطف الحديث بعد ذلك إلى منشأ هذا التّحريف، واحتمل إنّ الأصل فيه هو محمّد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة. [النّجعة: ج9، ص231؛ قاموس الرّجال: ج9، ص502]. كما سعى المرحوم الخوئي إلى التّمسّك بحقّانيّة سند الرّواية بصيغته الواردة في التّهذيبين، وإنّ لمحمّد بن عيسى أخاً عُبّر عنه في الرّواية بموسى بن عبيد نسبة إلى جدّه، [معجم رجال الحديث: ج20، ص70].
#وهكذا جاءت الاحتمالات الطّويلة والعريضة حتّى سوّد بعض المعاصرين صفحات عدّة في طرح الاحتمال تلو الاحتمال وردّها ولا أعرف كم هو الوقت الّذي قضاه مع طلّابه في سبيل ذلك، فاحتمل أن تكون كلمة لأخي مصحّفة لعمّي، واحتمل سقوط لفظة عن أبيه، واحتمل أيضاً سقوط قوله: عن أخيه جعفر بن عيسى اليقطيني…إلخ، وبعد النّقض والإبرام لم يصل إلى ترجيح احتمال من الاحتمالات فقال: «وكيف كان فقد ظهر بما تقدّم: إنّ الرّواية في التّهذيب لا تصلح دليلاً على أنّ محمّد بن عيسى قد كُلّف من قبل الإمام الرّضا “ع” بالحجّ عنه وطلاق زوجته ليكون لازم ذلك كونه شخصاً قابلاً لتلقّي الحديث على يد يونس بن عبد الرّحمن، ولكن في غير الرّواية المذكورة ممّا يشهد بقابليّته لذلك غنى وكفاية». [قبسات في علم الرّجال: ج1، ص513]، من دون أن يُشير لا من قريب ولا من بعيد إلى احتمال إنّ أبا الحسن الوارد في الرّواية هو ليس عليّ بن موسى الرّضا “ع”، بل هو عليّ بن يقطين الوزير الشّيعيّ المتموّل والمعروف كما سننقل شواهده ودلالاته لاحقاً فتأمّل. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...