آية جمعه وقرآنه ليس لها علاقة بالجمع المتعارف!!

4 يناير 2020
410
ميثاق العسر

#يحسب بعضهم خطأً: أنّ آية “إنّ علينا جمعه وقُرآنه” تعني الوعد الإلهيّ بجمع القرآن بالصّيغة الماثلة بين أيدينا اليوم، وبالتّالي: فهذه الآية تُعدّ عنده أصرح دليل على دخالة العناية الإلهيّة في حفظ هذه النّسخة المتداولة من القرآن منذ قرون طويلة من غير أن تنالها يدّ التّحريف أو التّغيير أو الزّيادة أو النّقصان!! #لكنّ هذا الحسبان […]


#يحسب بعضهم خطأً: أنّ آية “إنّ علينا جمعه وقُرآنه” تعني الوعد الإلهيّ بجمع القرآن بالصّيغة الماثلة بين أيدينا اليوم، وبالتّالي: فهذه الآية تُعدّ عنده أصرح دليل على دخالة العناية الإلهيّة في حفظ هذه النّسخة المتداولة من القرآن منذ قرون طويلة من غير أن تنالها يدّ التّحريف أو التّغيير أو الزّيادة أو النّقصان!!
#لكنّ هذا الحسبان توهّم محض، ومحاولة لتفسير الآيات القرآنيّة بطريقة حرفيّة لا تأخذ بعين الاعتبار: طبيعة النّزول التّدريجيّ النّجوميّ له وكذا طبيعة شخص المتلقّي الأوّل والمعنيّ الأصليّ به وهو نبيّ الإسلام محمّد بن عبد الله “ص”، الأمر الّذي يُفضي إلى تصوّر: أنّ القرآن بصيغته المتداولة منذ قرون بين أيدينا قد نزل من السّماء مجلّداً مذهّباً مرتّباً مغلّفاً وبهذا التّرتيب من الآيات والسّور واسمائها أيضاً، مع أنّ هذا الكلام عارٍ عن الصّحة تماماً، وخرج النّبيّ “ص” من الدّنيا ولم يوجد مصحف مجموع بهذه الصّيغة في مسجده أو بيته على الإطلاق، وما نلاحظه في أوساطنا من قرآن إنّما هو جمع بعدي أنجزه صحابته بطرائق وآليّات بدائيّة جدّاً كما فصّلنا وسنفصّل الحديث عن ذلك لاحقاً.
#نعود إلى التّفسير الصّحيح عندهم والمنقول لهذه الآيات من سورة القيامة؛ حيث ورد في صحاح المسلمين ـ كالبخاري ومسلم ـ عن ابن عبّاس في تفسير هذه الآيات ما يختلف تماماً عن هذا التصّور الأوّليّ السّاذج؛ إذ قال في تفسير قوله: “لا تُحرّك به لسانك لتعجل به: «كان رسول الله “ص” إذا نزل جبرائيل بالوحي، وكان ممّا يُحرّك به لسانه وشفتيه فيشتدّ عليه، وكان يُعرف منه [ذلك]، فأنزل الله…”لا تُحرّك به لسانك لتعجل به؛ إنّ علينا جمعه وقُرآنه” [القيامة: 17]»، أي: «علينا أن نجمعه في صدرك».
#أمّا آية: “فإذا قرأناه فاتّبع قُرآنه” [القيامة: 17] فهي تعني وفق هذه الرّواية الصّحيحة عندهم: «فإذا أنزلناه: فاستمع». وأمّا آية: “إنّ علينا بيانه” فهي تعني: أنّ «علينا أن نبيّنه بلسانك»، وهكذا ليختم ابن عبّاس تفسيره بالقول: «فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عزّ وجل. أولى لك فأولى: توعّد». [صحيح البخاري: ج6، ص163، ط طوق النّجاة؛ صحيح مسلم: ج2، ص34ـ35، ط التّركيّة].
#أمّا الطّباطبائي ـ المفسّر الإثنا عشريّ المعاصر ـ المتوفّى سنة: “1401هـ” فلم يتجاوز هذا المعنى أيضاً، حيث قال في تفسير الآيات: “لا تُحرّك به لسانك لتعجل به” إلى قوله: ثمّ إنّ علينا بيانه”: «الّذي يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفّها من الآيات المتقدّمة والمتأخّرة الواصفة ليوم القيامة: أنّها معترضة متضمن [متضمّنة] أدباً إلهيّاً كُلّف النّبي “ص” أن يتأدّب به حينما يتلقّى ما يُوحى إليه من القرآن الكريم، فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرأ بعد ولا يحرّك به لسانه وينصت حتّى يتمّ الوحي، فالآيات الأربع في معنى قوله تعالى [في سورة طه]: “ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه”».
#وعلى هذا فخلاصة معنى الآيات الأربع المتقدّمة عند الطّباطبائي تُشبه «قول المتكلّم منّا أثناء حديثه لمخاطبه إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلّم باللفظة واللفظتين قبل أن يلفظ بها المتكلم، وذلك يشغله عن التّجرّد للإنصات، فيقطع المتكلّم حديثه ويعترض ويقول: لا تعجل بكلامي وأنصت لتفقه ما أقول لك، ثم يمضي في حديثه».
#أمّا قوله: “إنّ علينا جمعه وقُرآنه”، فهي تعني عند الطّباطبائي: أيّ «لا تعجل به؛ إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك بضم بعض أجزائه إلى بعض وقراءته عليك، فلا يفوتنا شي‏ء منه حتّى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى قراءة ما لم نوحه بعد…». [الميزان في تفسير القرآن: ج20، ص109ـ110، ط الأعلمي].
#في ضوء هذا الإيضاح البسيط يتجلّى لك: إنّ هذه الآيات لا صلاحيّة لها لا من قريب ولا من بعيد لإبطال مختارنا القائل: إنّ السّماء لم تكن مهتمّة ولا مكترثة لتحويل المادّة القرآنيّة الصّوتيّة المسموعة إلى مادّة مكتوبة مقروءة؛ إذ أنّها تخاطب المتلقّي المباشر للوحي أعني: نبيّ الإسلام محمّد بن عبد الله “ص” بغية تعليمه أدباً خاصّاً في طريقة التّلقّي الوحياني وعدم المبادرة لترديده قبل إكماله…إلخ، وبالتّالي: فهي غير ناظرة لنسخة القرآن المجموعة بعد رحيله “ص” وفقاً لآليّات بدائيّة كي يُقال: إنّ هناك وعداً إلهيّاً بجمعه من خلال التّمسّك بهذه الآية؛ فالجمع الإلهيّ في هذه الآية غير جمع الصّحابة الحاصل لاحقاً، فتدبّر كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...