آية الحفظ لا تثبت اهتمام السّماء بجمعه!!

15 يناير 2020
109
ميثاق العسر

#في سياق التّفريق بين مدّعى القائلين بتحريف القرآن وبين مدّعانا الذّاهب إلى عدم اهتمام السّماء بتحويل المادّة القرآنيّة المسموعة إلى مادّة مكتوبة مقروءة ومن ثمّ تحويله إلى نصّ دستوريّ دينيّ دائم لجميع العباد والبلاد بمختلف ألسنتها ولغاتها حتّى نهاية الدّنيا، أقول في هذا السّياق: أوضحنا عدم إمكان الاستناد إلى النصّ القرآنيّ نفسه لإبطال هذه المدّعيات؛ […]


#في سياق التّفريق بين مدّعى القائلين بتحريف القرآن وبين مدّعانا الذّاهب إلى عدم اهتمام السّماء بتحويل المادّة القرآنيّة المسموعة إلى مادّة مكتوبة مقروءة ومن ثمّ تحويله إلى نصّ دستوريّ دينيّ دائم لجميع العباد والبلاد بمختلف ألسنتها ولغاتها حتّى نهاية الدّنيا، أقول في هذا السّياق: أوضحنا عدم إمكان الاستناد إلى النصّ القرآنيّ نفسه لإبطال هذه المدّعيات؛ لأسباب كثيرة فصّلنا الحديث فيها فلا نعيد، ولكن بقي هنا بعض التّتميمات الّتي ينبغي استعراضها وإيضاح الكلام فيها على عجالة فنقول:
#إن قلت: هناك اتّفاق على قرآنيّة آية الحفظ القائلة: “إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون”، ومع هذا الاتّفاق فسيكون الحديث عن تحريفه لا معنى له، ولا يرد اعتراض الدّور.
#قلت: الاستدلال بآية الحفظ على عدم التّحريف يتوقّف ـ كما أوضحنا في دراسات سابقة ـ على فرضيّة كون “الذّكر” الوارد فيها يعني القرآن لا الرّسول، وأنّ المراد من الحفظ هو حفظ ألفاظ الآيات بسياقاتها المتداولة لا الحفظ المعنويّ والمضموني، وأنّ المقصود من الحفظ الّلفظي هو حفظ القرآن بنسخته المتداولة لا حفظه الإجماليّ بإيداعه عند المهدي أو في الّلوح المحفوظ كما يقولون، وأنّ المعنيّ من الحفظ تصحيح حتّى الأخطاء الّلغويّة والنّحويّة الواضحة في نسخة القرآن المتداولة بمعنى جعل نسخة القرآن المتداولة حاكمة على تلك القواعد لا العكس ولو من خلال افتراض خطأ الكتّاب… إلخ من استشكالات كثيرة تقف أمام الاستدلال بهذه الآية على عدم التّحريف.
#ورغم ذلك كلّه لكنّا نقول: إنّ جميع ما يُذكر من أجوبة لهذه الاستشكالات، ومن بيانات لدفع هذه الاحتمالات، فهو نافع ـ على فرض صحّته ـ في دفع مختار القائلين بالتّحريف بمختلف أنواعه أو بعضها، لكنّه لا يجدي نفعاً في دفع مختارنا القائل: إنّ السّماء لم تكن مهتمّة ومكترثة وجادّة في تحويل النصّ القرآنيّ المسموع إلى نصّ مكتوب ومن ثمّ تحويله إلى نصّ دستوريّ دائميّ لجميع البشريّة بمختلف ألوانها وألسنتها حتّى قيام يوم الدّين؛ وذلك:
#لأنّ حفظ القرآن النّازل من أنواع التّحريف لا يعني أنّ هناك مساعي واكتراث واهتمام وجديّة سماويّة في تحويل المادّة الصّوتيّة منه إلى مادّة مكتوبة ومقروءة وجعلها بين دفّتين لتتحوّل من لحظتها إلى نصّ دستوريّ دائم لعموم النّاس حتّى نهاية الدّنيا؛ فهذه الآية ـ حتّى لو سلّمنا بدلالتها ـ فهي لا تتحدّث عن هذا الجانب على الإطلاق، بل تكشف في أحسن الأحوال عن عناية سماويّة في حفظ القرآن النّازل أثناء ممارسة صاحب الرّسالة دوره في تبليغ رسالته لأمّ القرى ومن حولها كما هو صريح القرآن نفسه.
#أمّا أن يأتي صحابته بعد ذلك ويقوموا بجمع جميع الآيات النّازلة أو الصّادرة من الرّسول الأكرم “ص” بين دفّتين حتّى المرتبطة بأمور شخصيّة آنيّة بل وحتّى ما ثبت نسخها أيضاً، استناداً إلى آليّات بدائيّة جدّاً ومن دون منهج وإشراف سماويّ، أقول: مثل هذه الممارسة لا يمكن التمسّك بهذه الآية أو غيرها من أجل تصحيحها وادّعاء أنّ العناية الغيبيّة كانت مسدّدة ومؤيّدة بل ودافعة وحاثّة لهم، ومن ثمّ ادّعاء أنّ ما يتناسب مع الحفظ المدّعى في هذه الآية هو تحويل ما أنجز الصّحابة جمعه ما بين الدّفتين إلى دستور دينيّ دائم لجميع البقاع والأصقاع حتّى نهاية الدّنيا، فمثل هذا الاحتمال مجرّد حسّ دينيّ عاطفيّ لا علاقة له بالعلم وأدواته وضوابطه، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...