آليات الكليني والصّدوق في تصحيح الأخبار!!

14 أغسطس 2019
53
ميثاق العسر

#يبدو لي أنّ سذاجة الدّرس الرّجاليّ الرّسمي في حوزاتنا المعاصرة وعدم الاعتناء به بشكل تحصيليّ دقيق ـ سوى اهتمامات تقليديّة متناثرة في أروقة بعض الدّروس الفقهيّة ـ ولّدت جيلاً حوزويّاً مشوّهاً لا يفقه تراثه ولا يعرف مناهج مصنّفيه، فيتوهّم إمكانيّة رمي الرّواية بالضّعف لمجرّد مراجعة البرامج الكمبيوتريّة أو معجم رجال الحديث، وحينما تنقل له رواية […]


#يبدو لي أنّ سذاجة الدّرس الرّجاليّ الرّسمي في حوزاتنا المعاصرة وعدم الاعتناء به بشكل تحصيليّ دقيق ـ سوى اهتمامات تقليديّة متناثرة في أروقة بعض الدّروس الفقهيّة ـ ولّدت جيلاً حوزويّاً مشوّهاً لا يفقه تراثه ولا يعرف مناهج مصنّفيه، فيتوهّم إمكانيّة رمي الرّواية بالضّعف لمجرّد مراجعة البرامج الكمبيوتريّة أو معجم رجال الحديث، وحينما تنقل له رواية من الكلينيّ والصّدوق وتنصّ على صحّتها عندهم لا يفقه لغة القيود الّتي نوظّفها للإشارة لذلك ويبادر لاستخدام طريقة المتأخّرين في التّصحيح والتّضعيف، وكأنّ أولئك المصنّفين كانوا قد تفطّنوا لتصنيفاته الرّجاليّة المتأخّرة ونظموا كتبهم على هذا الأساس، بل يذهب المتنطّعون إلى ما هو أكثر من ذلك فيدّعون: إنّ همّ أولئك الأوائل كان الجمع والتّصنيف فقط من غير أن يؤمنوا بصحّة مضامينها!!
#وفي هذا السّياق أجد من الضّروري الإلماع إلى أنّ متقدّمي الأصحاب ـ كما هو المشهور ـ لم يكونوا يؤمنون برباعيّة التّقسيم الرّجالي المعروفة في أعصارنا من صحيح وضعيف وموثّق وحسن، وإنّما كانوا يؤمنون بثنائيّته فقط؛ بمعنى: إنّ الحديث عندهم إمّا صحيح وإمّا ضعيف، وإنّ قصّة التّصنيف الرّباعي للأحاديث لم تتسرّب إلى واقعنا الإثني عشريّ إلّا في القرن السّابع الهجريّ في أيّام السيّد أحمد بن طاووس المتوفّى سنة: “673هـ” وتلميذه العلّامة الحلّي المتوفّى سنة: “726هـ”؛ لمبرّرات لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة.
#وقد نصّ المختصّون من أعلامنا على أنّ هذا الاصطلاح ـ أعني التّقسيم الرّباعي ـ «لم يكن معروفا بين قدمائنا “قدّه” كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كلّ حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه، أو اقترن بما يوجب الوثوق به والرّكون اليه»، وذلك كأن يوجد في كثير من الأصول الأربعمائة الّتي نقلها الأصحاب عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة، أو كان متكرّراً في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة وأسانيد عديدة معتبرة، أو كان موجوداً في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصديقهم، أو أخذ من أحد الكتب الّتي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها سواء أ كان من الإماميّة أو غيرهم. [مشرق الشّمسين: ص26]،
#ولا أريد أن أفيض في هذا الموضوع ـ فهناك تفاصيل كثيرة حول معنى الصّحيح عند القدماء وآليّاتهم في ذلك يجدها المتابع في محلّه ـ وإنّما يهمّني التّنبيه على شخصيّتين تُعدّ مصنّفاتهما الأساس الأوّل لبناء المذهب الإثني عشريّ، وأعني بهما الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ” والصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ”؛ لأشرح طريقتهما في تصحيح الرّوايات المُدرجة في مصنّفاتهما فأقول:
#أمّا الكلينيّ فقد نصّ في مقدّمة كتابه الشّهير المُسمّى بالكافي ـ والّذي يُعدّ الكتاب الحديثيّ المعتبر الأوّل لدى الطّائفة الإثني عشريّة ـ قائلاً وهو يشرح أسباب ودواعي تأليفه له: «وقلت: إنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كافٍ يجمع من جميع فنون علم الدّين ما يكتفي به المتعلّم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به، بالآثار الصحيحة عن الصادقين “ع”، والسُّنن القائمة الّتي عليها العمل، وبها يؤدّي فرض الله عزّ وجلّ وسنّة نبيّه “ص”، وقلت: لو كان ذلك رجوت أن يكون ذلك سبباً يتدارك الله بمعونته وتوفيقه إخواننا، وأهل ملّتنا، ويقبل بهم إلى مراشدهم… [إلى أن قال]: وقد يسرّ الله ـ وله الحمد ـ تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخّيت…إلخ». [مقدّمة الكافي]، ولا شكّ في أنّ هذه المفردات قاطعة للشّك في كون جميع ما ورد فيه من الصّحاح عنده دون شكّ وريب، وبالتّالي فحينما نعبّر صحيحاً عنده فينبغي أن يُفهم هذا القيد جيّداً ومن دون وساوس.
#أمّا المرحوم الصّدوق فالأمر لمن عرف منهجه وخبر تراثه أوضح وأجلى؛ فإنّ المعهود من طريقته والمألوف من عادته إنّه إذا ذكر خبراً ولم يسجّل تحفّظاً على متنه أو سنده فهذا يعني الحكم بصحّته والإفتاء به أيضاً، ولعلّ أفضل من شرح ذلك وأفاض فيه هو الفقيه يوسف البحراني المتوفّى سنة: “1186هـ” في حدائقه النّاضرة حيث قال وهو يشرح منهج المرحوم الصّدوق في التّصنيف والتّصحيح والتّضعيف:
#فإنّ المعلوم من عادته في كتبه ومصنّفاته أنّه لا ينقل من الأخبار إلّا ما يعتمده ويحكم بصحّته متناً وسنداً ويفتي به، وإذا أورد ما هو بخلاف ذلك نبّه على العلّة فيه، وذيّله بما يشعر بالطعن في متنه أو سنده، وهذا المعنى وإن لم يصرح به إلّا في الفقيه [أي كتابه: من لا يحضره الفقيه]، إلّا إنّ المتتبّع لكتبه ومؤلفاته، والنّاظر في جملة مصنفاته، لا يخفى عليه صحّة ما ذكرناه، وحيث إنّ هذا الكلام مّما يكبر في صدور القاصرين سيما المعاصرين [بل والجاهلين في أيّامنا]، فيقابلونه بالإنكار والصدّ والاستكبار، فلا بأس لو أرخينا العنان للقلم في الجري في هذا الميدان، بنقل جملة من المواضع الدّالّة على ما ذكرناه ساعة من الزمان، وإن طال به زمام الكلام؛ فإنه أهم المهام…إلخ [حيث بدأ بذكر شواهد هذا المدّعى من تراث المرحوم الصّدوق فراجع وتأمّل]». [الحدائق النّاضرة: ج23، ص547].
#وعلى هذا الأساس: فحينما ننقل رواية من المرحوم الصّدوق ونقرّر أنّها صحيحة عنده فينبغي أن يؤخذ الكلام أعلاه بعين الاعتبار، ولا تُكرّر علينا كلمات متأخرة في نقض ذلك.
#وأخيراً: أتمنّى أن تكون هذه السّطور ـ رغم إجمالها ـ درساً بليغاً لمن تسوّل له نفسه التّهريج على صاحب هذه السّطور والتّشويش على طروحاته من خلال استعراض أوصاف التوثيق والتّضعيف المتأخّرة في وصف روايات المتقدّمين؛ لأنّ الصّفحة واعية للموضوع بشكل تامّ ولهذا حرصت كلّ الحرص على تقييد كلامها بمفردات “عندهم” وأضرابها، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...